الشنقيطي

192

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب ، ولا يقع تأثير البتة إلا بمشيئته جلّ وعلا . وممّا يوضّح أنّ تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على اللّه - قوله تعالى عن يعقوب : وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [ يوسف : 67 ] أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب ، وتسبب في ذلك بالأمر به ، لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلا أبناء رجل واحد ، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام . فدخولهم من باب واحد مظنّة لأن تصيبهم العين فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطيا للسبب في السلامة من إصابة العين ؛ كما قال غير واحد من علماء السلف . ومع هذا التسبب فقد قال اللّه عنه : وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) [ يوسف : 67 ] . فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله : لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وبين التوكل على اللّه في قوله : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس اللّه بصيرته . واللّه جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع ، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهزّ الجذع . وقد قال بعضهم في ذلك : ألم تر أنّ اللّه قال لمريم * وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزه * جنته ولكن كل شيء له سبب وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية - أنّ خير ما تطعمه النفساء الرطب ، قالوا : لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه اللّه مريم وقت نفاسها بعيسى ، قاله الربيع بن خيثم وغيره . والباء في قوله وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [ مريم : 25 ] مزيدة للتوكيد ، لأنّ فعل الهز يتعدى بنفسه ، وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في القرآن وفي كلام العرب ، فمنه في القرآن قوله هنا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ لأن المتبادر من اللغة أنّ الأصل : وهزي إليك جذع النخلة ، وقوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] ، وقوله : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ [ الحج : 25 ] الآية . وقوله : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) [ القلم : 5 - 6 ] الآية ، وقوله : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [ المؤمنون : 20 ] على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء مضارع أنبت الرباعي ، لأن الرباعي الذي هو أنبت ينبت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف ، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الآيات المذكورة . ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن أبي الصلت الثقفي : إذ يسقون بالدقيق وكانوا * قبل لا يأكلون خبزا فطيرا لأن الأصل يسقون الدقيق فزيدت الباء للتوكيد . وقول الراعي :